الارشيف / اخبار العالم

خبيران: الجزائر أمام تحدي "استقالة الشعب" سياسيا

القاهرة - بواسطة ايمان عبدالله - خبيران جزائريان يحذران من دخول البلاد في أزمة سياسية جديد بعد تدني نسب المشاركة في الاستفتاء ويصفانها بـ"الاستقالة الجماعية للشعب".

رسميا، أعلن المجلس الدستوري الجزائري، الخميس، عن النتائج النهائية لاستفتاء تعديل الدستور الذي جرى في 1 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، بعد 10 أيام من إعلان النتائج الأولية، كما يقتضيه قانون البلاد. 

وقرأ كمال فنيش رئيس المجلس الدستوري بياناً نقله التلفزيون الجزائري الحكومي، أعلن فيه عن أن نسبة المشاركة النهائية في استفتاء الدستور بلغت 23.84 %، فيما صوت منها 66.80 % بـ"نعم"، و33.20 % بـ"لا".

وأعلن صحة الاستفتاء وشفافيته" كما قال، وقرر رفض كل الطعون المقدمة من الملاحظين حول سير العملية الانتخابية.

صدمة المقاطعة

نسبة المشاركة النهائية المعلن عنها، أثارت مفاجأة المتابعين، وحتى المعارضين لوثيقة التعديل الدستوري، بعد توقعات بإقبال كبير على صناديق الاقتراع كـ"نتيجة واقعية لحالة النقاش والجدل الواسعين" الذين رافقا الكشف عن محتوى التعديلات.

إلا أن المفاجأة غير المتوقعة حتى للسلطة الجزائرية، جاءت بتصويت أقل من ربع الهيئة الناخبة مقابل إحجام أكثر من 85 % عن المشاركة، وهو ما يمثل نحو 18 مليون مقاطع من الكتلة الناخبة الإجمالية التي يفوق عددها 24 مليون ناخب.

والنسبة المعلنة هي الأدنى في تاريخ كل الاستحقاقات الانتخابية التي نظمت بالجزائر منذ إقرار التعددية السياسية عام 1989، وفي كل الاستفتاءات التي نظمت في البلاد منذ استقلالها قبل 58 عاماً.

ولم يحدد الدستور ولا قانون الانتخابات بالجزائر سقفاً محددا من نسبة مشاركة الناخبين لاعتماد نتائج أي انتخابات أو استفتاء، ويقول الخبراء إن "انتخابات بنسبة مشاركة 5 % لا تلغى نتائجها ويتم الاعتماد فقط على ما أفرزته صناديق الاقتراع من مواقف الناخبين".

غير أن محمد شرفي رئيس السلطة المستقلة للانتخابات دافع عن "نجاح الاستفتاء"، وأطلق تصريحاً أثار جدلاً عندما قال إن "الجزائر نجحت في انتخاب رئيس حلال، ومن ثم دستور حلال".


أسباب تدني نسبة المشاركة

أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الجزائر الدكتور حسين قادري لم يكن من بين المتفاجئين بنسبة المشاركة في استفتاء الدستور، مشيرا إلى أن من يعرف واقع الساحة السياسية الجزائرية لن يتفاجأ من النتائج وكذا لنسب المشاركة.

وقدم أسباباً عديدة لذلك في حديث لـ"الخليج 365" والتي لخصها أولاً في أنه "يتم لأول مرة الإعلان عن النتائج الحقيقية لنسب المشاركة، وهو ما يعني غياب التزوير ونفخ صناديق الانتخابات"، مرجعاً ذلك إلى أن "النظام الجزائري يدرك بأن استرجاع ثقة المواطن تكون عبر إعلان النتائج الصحيحة مهما كان عددها".

أما العامل الثاني الذي ذكره الأكاديمي الجزائري وهو أن "النظام الجزائري كان واثقاً حتى وإن انتخب 5 %، والقانون فقط يسمح بتمرير الدستور إذا كان نعم أكثر من لا، ونحن أمام 66 % من الناخبين وافقوا على مشروع تعديل الدستور، والسلطة في هذه الحالة ليست أمام أي إحراج".

مضيفاً أن "الانتخابات التنافسية مثل الرئاسيات والانتخابات البرلمانية والمحلية هي التي تجذب الناخبين للصناديق أكثر من الاستفتاءات، وهذا معروف في كل الدراسات السياسية، والمعروف أن المصالح الفردية غائبة في هذا الاستفتاء حيث طُرحت المصالح العامة للدولة، وهذا الأمر يتطلب ثقافة قانونية وسياسية واسعة".


واستبعد في المقابل أن يعود تدني نسب المشاركة إلى تفشي جائحة ، وقال إن "تأثيرها لا يتعدى 5 % على إقبال الناخبين".

مشيرا إلى أن من شارك في التصويت "من المستفيدين من النظام، والذين لديهم وعي معين وضد الدستور، والثلث الذي انتخب بلا لديهم حس سياسي دفعهم للتوجه لصناديق الاقتراع، وهذا أمر إيجابي".

واعتبر أن الاستفتاء "جرى في جو من الشفافية للمرة الأولى، وكل من دعا للمقاطعة تأسف، وفي جميع الحالات فإن هذا الدستور يعبر عن مرحلة وعن سياسات جديدة وقد نلجأ في المستقبل لاستفتاء جديد لزيادة أو نقصان".


استقالة الناخب

كما أشار المحلل السياسي العربي زواق لـ"الخليج 365" إلى أن "السلطة هيأت لهذا الاستفتاء إمكانيات غير مسبوقة، بينها أحزاب من الموالاة والمعارضة، ومع ذلك كانت النتائج مخيبة لآمال السلطة، وأظهرت أن الشرخ داخل مجتمع الجزائر ودولة بلغ مستوى من الخطورة".

مضيفاً أن "استقالة الشعب الجزائري من هذه المواعيد الانتخابية أصبح مخيفاً، وهذا الاستفتاء جاء ليحل لأزمة لكنه أدخل البلاد في أزمة جديدة وهي الشك في كل شيء، والجزائر تسير نحو المجهول، وعلى السلطة أن تأخذ العبر، بدل الهروب إلى الأمام".

أحزاب بوتفليقة

وعن مشاركة أحزاب الموالاة التي ساندت النظام السابق، أوضح الأكاديمي حسين قادري أن الإشكال الذي تمر به الجزائر "هو عدم وجود أحزاب سياسية بديلة، ولحد الآن المواطن لا يثق في الحياة السياسية، ولم تبرز أحزاب منذ الحراك لها فاعلية وقدرة على تعبئة الشارع والتي يمكن لها أن تنافس أحزاب أخرى وتطردها من الحياة السياسية رغم أنه كان يجب على وجوه النظام السابق الابتعاد عن المشهد".

أما المحلل السياسي العربي زواق فقد قدم سبباً لاتساع رقعة المقاطعين، ورأى بأن "الرئيس الجديد للبلاد لم يقدم أي جديد، واكتفى بحكومة تعد الأضعف في تاريخ البلاد، ووزراء شبه غائبين وإذا تكلموا أثاروا الجدل، كما أن كل المروجين للدستور من وجوه النظام السابق".


الأوضاع الاجتماعية

ونوه الدكتور قادري بأن اختيار أغلبية الناخبين للمقاطعة يعود بالدرجة إلى "أوضاعه الاجتماعية المتردية، خصوصاً وأنه تعامل مع النظام السابق لعقدين، ولديه تصور بأن لا ثقة في النظام وأن الانتخابات محسومة سلفاً وغيرها".

مضيفاً: "هناك رد فعل سلبي من الناخب الجزائري، سواء تجاه الأحزاب أو السلطة أو وسائل إعلامية، ولا يوجد هناك ما يعزف على المستوى المعيشي، وكذا قضايا الفساد التي صدمت الرأي العام، كان له دور كبير في فقدان ثقة الناخب في العملية الانتخابية، واسترجاعها لن يكون إلا عبر أجيال".


شعبية تبون

الأكاديمي الدكتور حسين قادري لا يرى في تدني نسب المشاركة "مؤشرا على تراجع شعبية الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون"، مرجعاً قراءته إلى "أن ذلك يصلح إلا في الديمقراطيات الغربية، ولا توجد بالجزائر، وشعبيته ليست في المحك، ولا توجد دراسات للرأي العام في الجزائر، والشعب لا يثق في العملية السياسية برمتها مهما كان نوعها أو رئيسها".

غير أن المحلل السياسي العربي زواق اعتبر بأن الرئيس تبون "خسر مليوني صوت من الناخبين"، مشيراً إلى أن ذلك "مؤشر خطر على أن استقالة الجزائريين من العملية السياسية لازالت متواصلة، هناك تحول عميق داخل المجتمع الجزائري تمثل في تغيير الكثير من الفعاليات مواقعها التقليدية ".

أزمة جديدة

وأشار إلى أن النتائج "لا تعبر فقط عن فشل السلطة، بل إفلاس الطبقة السياسية الشامل بأكملها، والنظام السابق ترك خراباً سياسياً يصعب إعادة بنائه".

وتوقع في المقابل أن "تدخل الجزائر في أزمة سياسية جديدة متجذرة وأعمق، تدفع العملية السياسية إلى مرحلة أخطر من المرحلة السابقة".

قد تقرأ أيضا