الارشيف / اخبار الخليج

تداعيات "صفقة الغواصات... لبنان أمام خيارات صعبة بعد توتر العلاقات بين فرنسا وأمريكا

دبي - محمود عبدالرازق - إلغاء صفقة الغواصات الهائلة بين فرنسا وأستراليا، بعد إعلان الولايات المتحدة واستراليا وبريطانيا عن إبرامها صفقة ثلاثية جديدة للتعاون في المجال الدفاعي، يترك الكثير من الأثر الحالي والمستقبلي، خاصة فيما يتعلق بالتنسيق الفرنسي- الأمريكي، إضافة إلى مجمل التوازنات على الصعيد الدولي.

© Sputnik . ANDREY STENIN

من بين الملفات التي تتأثر بالأزمة الراهنة يأتي لبنان في المقدمة، خاصة أن التركات الفرنسية في لبنان والمبادرة التي أعلنها ماكرون عقب انفجار مرفأ بيروت، جرت تحت المظلة الأمريكية، وهو ما يراه الخبراء بأنه سيؤثر حتما على المشهد، مع التباين في حجم التأثر.

المبادرة الفرنسية

في ديسمبر/ كانون الأول عام 2020، انعقد مؤتمر دعم الشعب اللبناني عبر تقنية الفيديو، تلبية للدعوة المشتركة التي أطلقها كل من رئيس الجمهورية الفرنسية والأمين العام للأمم المتحدة.

شارك في المؤتمر 32 دولة و12 منظمة دولية و7 منظمات من المجتمع المدني اللبناني، وأطلقت تعهدات بتوفير ما يزيد على 280 مليون يورو، مساعدات إنسانية إلى لبنان.

ورغم المؤتمرات التي عقدت أيضا خلال العام الجاري من أجل لبنان، إلا أن النتائج لم تصل للتوقعات التي صاحبت المؤتمر الأول في ديسمبر 2020.

المساعدات الفرنسية

وفي الإطار، قال الخبير الاقتصادي اللبناني الدكتور أيمن عمر، إن حديث الرئيس الفرنسي إيمانويل عن مساعدات ضمن الإطار الإنساني، أي أنها تصل إلى مستوى انتشال لبنان من أزمته.

وشدد ماكرون في كل تصريحاته على ربط مساعدات المجتمع الدولي بالإصلاحات البنيوية المطلوبة وفي مقدمها إصلاح قطاع الكهرباء المتسبّب بأكثر من 45% من الدين العام اللبناني.

وأوضح في حديثه لـ"سبوتنيك"، أن الدور الفرنسي في لبنان مقيّد بالمظلّة الأمريكية ومحدود في هذه الفترة ضمن المساعدات الإنسانية فقط.

وأضاف عمر أنه مع ظهور أزمتين كبيرتين بين الولايات المتحدة وفرنسا في قضيتيّ صفقة الغواصات الفرنسية- الأسترالية وصفقة الطائرات مع سويسرا،  يجعل الدور الفرنسي في لبنان على المحك.

خيارات فرنسا

وبحسب عمر لم يعد أمام الفرنسيين من خيارات سوى القيام بإنجازات حقيقية ومهمة، خاصة مع بداية انحسار النفوذ الأمريكي في المنطقة ومؤشره الانسحاب المذل ّمن أفغانستان، الأمر الذي سيفتح المجال أمام دور فرنسي أكبر.

التناقضات الفرنسية الأمريكية قد تدفع بالفرنسيين إلى بذل المزيد من المساعدات في الداخل اللبناني، تثبيتا لدورها في المنطقة على ساحل شرقيّ المتوسط من منفذها الوحيد، وهي البوابة اللبنانية.

مساعدات محدودة

ويرى عمر أن هذه المساعدات ستبقى محدودة، وضمن إطارها المرسوم لها ومن ضمنها دعم الجيش والمؤسسات الأمنية.

© REUTERS / MOHAMED AZAKIR

يرتبط الدعم الفرنسي بالدرجة الأولى بمفاعيل مؤتمر سيدر/ باريس 3، والذي يرتبط تمويله بـ :

 البنك الدولي 4 مليار دولار على خمس سنوات، البنك الأوروبي لإعادة التعمير 1.1 مليار يورو على 6 سنوات، صندوق التنمية السعودي مليار دولار، البنك الأوروبي للاستثمار 800 مليون يورو، البنك الإسلامي للتنمية 750 مليون دولار على مدى 5 سنوات.

وتقتصر حصة فرنسا في هذا التمويل على 550 مليون يورو على 4 سنوات، وهو ما يشير إلى أن النسبة الأكبر من التمويل من منظمات ودول خاضعة للنفوذ الأمريكي، بالإضافة إلى خضوع صندوق النقد الدولي أيضا، والذي يعلّق عليه اللبنانيون الآمال لهذا النفوذ.

سيناريوهان

ويذهب عمر إلى أن لبنان في مواجهة سيناريوهين: الأول هو انحسار النفوذ الفرنسي في لبنان، كلما ازدادت المواجهة الأمريكية الفرنسية.

 أما السيناريو الثاني يتمثل في البحث عن خيارات بديلة من قبل الفرنسيين للتعاطي مع الملف اللبناني، في حين أن التوجه شرقا قد يكون الوجهة، مع وضع التسوية الكبرى في المنطقة ضمن الحسابات، والتي تحددها محادثات فيينا حول الاتفاق النووي.

تأثير غير مباشر

من جانبه، استبعد الخبير الاقتصادي والمالي اللبناني جهاد الحكيم، التأثير المباشر، خاصة أن حجم اقتصاد لبنان أصبح صغيرا للغاية، وبالتالي حجم المساعدات الفرنسية للبنان" حال إتمامها" ليست بحاجة إلى أن تكون بتلك الضخامة التي يتصورها البعض، كي تصنع الفرق.

وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك" أن لفرنسا بالتعاون مع بقية شركائها في الاتحاد الأوروبي قدرات مالية واقتصادية كبيرة، وأن فرنسا لم تكن تتكل على صفقة الغواصات حتى تتمكن من تمويل المساعدات المالية المرجوة إلى لبنان.

تقدير سياسي

ومن الناحية السياسية قال المحلل السياسي وسيم بزي، إن أزمة الغواصّات مثّلت ضربة موجعه للفرنسيين، وأنهم لن يخرجوا من صدمتها بالسهولة والبساطة التي يتصّورها البعض.

ويرى أن عدم الخروج من هذه الأزمة بسرعة يعود إلى أن الجار البريطاني الذي يُمثِّل رُكنا أساسيا في الخديعة التي تعرضّت لها فرنسا.

وأوضح في حديثه لـ "سبوتنيك"، أن التفويض الأمريكي من إدارة بايدن، والذي جُدِّدتْ مفاعيله مؤخرا، سمح للإداره الفرنسية باقتناص فرصة تشكيل حكومة ميقاتي من عنق الزجاجة، وهو ما قامت به فرنسا بالتكامل والتشارك مع الإيرانيين وحزب الله والجانب الأمريكي.

ويتفق حول تأثير أزمة الغواصات باعتبار أن الخطوات التي جرت من الجانب الفرنسي كانت تحت المظلة الأمريكية، ما يعني احتمالية التأثر في حال حدوث توترات.

وذكر أنه رغم الضربة الموجعة التي تلقتها فرنسا، إلاّ أنّها ليست في الموقع الجيوسياسي الذي يسمح لها بالرد على هذه الضربة، كما أنها ليست بالنديّة تجاه أمريكا لمقارعة الضربة بالضربة.

إضافة إلى ذلك حازت فرنسا أيام عبر شركة توتال على أربعة عقود نفطية في العراق، وذلك تحت عين الأمريكيين ورقابتهم.

© AP Photo / Dalati Nohra

 كما أنه منذ انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس/ آب 2020، يحاول الرئيس ماكرون، دون جدوى تثبيت شيء من الحضور اللبناني بين يديه.

مواقف إدارة ترامب 

 ويرى بزي أن للإدارة الأمريكية السابقة دورا جوهريا في إعاقة المبادرة الفرنسية، وأن ذلك حدث أكثر من مرة عبر العقوبات التتابعية، التي فرضتها على الوزراء السابقين.

وشدد على أهمية لبنان في اللعبة الجيوسياسية الحاصلة، وبدء مرحلة جديدة في كل منطقة غرب آسيا، حيث يتراجع النفوذ الأمريكي لحساب الروس والإيرانيين، في ظل الصراع الفرنسي- التركي على ثروات شرقي المتوسط من ليبيا إلى اليونان وقبرص، وصولا إلى المثلث السوري- اللبناني مع فلسطين المحتلة.

ويرى أن تفاصيل المشهد بالشكل الحالي تجعل الجانب الفرنسي ومعه أوروبا اللاتينيه يُطأطأن الرأس أمام طعنة الظهر من الخنجر الأمريكي المسموم إنجليزيا، وذلك على قاعدة الحد من الخسائر وإعادة ترتيب الأولويات، وهو ما يمكن معه تمرير التأثيرات على الجانب اللبناني.

خطة النهوض

واستقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، جيمس كلفرلي، رئيس مجلس الوزراء اللبناني، نجيب ميقاتي، الذي أكد على حاجة بلاده لدعم المملكة المتحدة في تنفيذ خطة النهوض الاقتصادي التي تتبناها الحكومة اللبنانية.

وجاء في بيان رئاسة الوزراء، اليوم السبت، أن ميقاتي التقى بكلفرلي في مقر إقامته بالعاصمة البريطانية لندن بحضور سفير لبنان لدى المملكة المتحدة، رامي مرتضى.

وأوضح البيان أن المقابلة جاءت بهدف "بحث العلاقات الثنائية بين البلدين وتوضيح حاجات لبنان في هذه الأوقات الصعبة".

كما أكد بيان رئاسة الوزراء اللبنانية على "دور بريطانيا في دعمه ومساندته، ومواكبتها لخطة النهوض الاقتصادي التي تعمل عليها الحكومة".

وكان الرئيس عون وقع على مرسوم تشكيل الحكومة برئاسة ميقاتي في 10 أيلول/سبتمبر الجاري، بعد أكثر من عام على استقالة حكومة حسان دياب على خلفية انفجار مرفأ بيروت الذي وقع في 4 آب/أغسطس العام الماضي.

قد تقرأ أيضا