الارشيف / فن ومشاهير

“النمر الأبيض”.. كوميديا سوداء تعرِّي الفساد

بيروت - سلوى ياسين - متابعة بتجــــــــــرد: يظهر فيلم “النمر الأبيض”، الذي تبدأ “نتفليكس” عرضه في الكويت اليوم، فساد النظام الاقتصادي والاجتماعي بصورة ساخرة سوداء، من خلال حكاية شاب فقير، في مجتمع منقسم إلى سادة وخدم، يسير على حبل مشدود بين العبودية والطموح، وحين يطلب منه أن يكون كبش فداء لسادته، يتملكه الغضب وجوع الذئاب، فيرفض البقاء في الحظيرة في انتظار الذبح، ويقتل سيده؛ ليكسب الثروة والنفوذ، ويصبح رجل أعمال ناجحاً، مبرراً تضحيته بإنسانيته وعائلته، فالغاية تبرر الوسيلة، وهذا ثمن النجاح في عصر العولمة!

يروي بالرام هلواي (أدارش غوراف) قصة تخلصه من العبودية ليصبح “رائد أعمال”، في رسالة إلكترونية، يكتبها في سبع ليالٍ متتالية، موجهة إلى رئيس الوزراء الصيني.. ذلك هو إطار القصة.. فما القصة؟

نشأ بالرام في قرية فقيرة. كان طفلاً ذكياً، لكن جدته أجبرته على ترك المدرسة، ليسهم في دفع مهر ابنة عمه، فعمل في محل لبيع الشاي مع شقيقه في دانباد، وهناك بدأ يسمع عن الحكومة والاقتصاد.. فقرر أن يصبح سائقاً. تعلم القيادة، ووجد وظيفة سائق لدى الزوجين العائدين للتو من الولايات المتحدة، “أشوك” (راجكومار راو) نجل أحد مالكي العقارات، وزوجته بينكي (بريانكا تشوبرا جوناس).

ظهر التغير على بالرام، فقد توقف عن إرسال المال إلى عائلته، ولم يحترم جدته حين زار قريته. وانتقل إلى نيودلهي مع سيديه، وهناك رأى الفساد المستشري، والتناقض الصارخ بين الفقراء والأثرياء.

وذات ليلة أخذت بينكي عجلة القيادة من بالرام، وهي في حالة سكر، وصدمت شيئاً ولاذت بالفرار، تاركةً المشاهد يفترض أنها قتلت طفلاً.

ضغط الزوجان على بالرام ليعترف بأنه كان يقود السيارة بمفرده.. فشعر بالغدر والخيانة، ووجد نفسه على حافة الهاوية، فيرى أن قتل أشوك هو السبيل الوحيد لتجنب المصير الأسود. تل أشوك، واستولى على المال، الذي كان ينوي تقديمه رشوة للحكومة، وانتقل إلى بنغالور، حيث رشا الشرطة ليبدأ مشروعه لامتلاك أسطول سيارات الأجرة.

سار بالرام على الدرب نفسه، الذي سار عليه أشوك، مؤمناً بأن على رجل الأعمال أن يكون مستقيماً ومحتالاً، ماكراً وصادقاً في الوقت نفسه! رشا المسؤولين للتهرب من الضرائب، ودفع تعويضاً لعائلة صدم أحد عماله ابنها فمات… ولقيت عائلته مصرعها على أيدي أقارب أشوك انتقاماً لمقتله. وتنتهي رسالة بالرام إلى الزعيم الصيني، بتبرير بالرام لأفعاله، فحريته تستحق التضحية بعائلته وبأشوك… إلخ.

ملحمة ونجم

لقي الفيلم استقبالاً إيجابياً واهتماماً واسعاً في أنحاء العالم، وحظي المخرج بالإعجاب، والإشارة إلى أعماله السابقة، التي هزت العقول والقلوب، ورأى بعضهم أنه عاد بهذا الفيلم إلى مستواه؛ إذ أبدع في إعادة كتابة رواية أرافيند إديجا “النمر الأبيض”، الفائزة بجائزة البوكر، بلغة سينمائية مفعمة بالحيوية، وإخراجها بروح ساخرة قاتمة ناقدة. وأشاد النقاد بالموسيقى التصويرية الشعبية، والتصوير الفوار الشاعري.

ولفت الممثل غير المعروف أدارش غوراف أنظار الجميع بأدائه المتقن لشخصية بالرام، فأشادت “إنترتينمنت ويكلي” بحضوره الذي لا يمحى، ونجاحه في مزج الإرادة القوية بالضعف في أدائه.

وكتب جو مورجينسترن في “وول ستريت جورنال” أن الفيلم ملحمة مبهجة تم تقديمها بذكاء حاد، فالحوار باهر، والتصوير رائع، وفي قلب كل ذلك، نجم مثير يتحول إلى ممثل ومغن وكاتب أغان اسمه أدارش غوراف.

الابتسامة الماكرة

إن قصة “النمر الأبيض” هي قصة العبودية والاستياء والحب، وما يسميه بطلها “الابتسامة القانعة، التي ترتسم على شفتي خادم يؤدي واجبه تجاه سيده”. هذا ما كتبه بيتر برادشو في “الغارديان”، مضيفا أن الرام يبتسم كثيراً، لكن ابتسامته غير نابعة من القناعة، فهي ابتسامة غامضة تبقى مرسومة، بينما يتساءل صاحبها عما إذا كان يكره السيد وراء واجهة من المحبة، أو يحب هذا النموذج وراء واجهة من الكراهية، وهل يصبح السيد يوماً ما!

ويرى برادشو أن هذا المكر والطموح والخضوع والصراع من أجل البقاء من واقع الهند، التي يظهر أن لديها نفس الموقف الغامض الخاضع لأرباب العمل في عصر العولمة، الذين يريدون العمالة الهندية الرخيصة.

إلغاء البرمجة

أما الناقد أوين جلبرمان، فكتب في مجلة فاريتي: يخبرنا بالرام أن الهند كان فيها في يوم من الأيام ألف طبقة، أما الآن، فهناك اثنتان فقط: من يملكون، ومن لا يملكون.

وأشار إلى أن بالرام يتمتع بشخصية جذابة شبه صامتة، فقد تمت برمجته ليكون خادماً مطيعاً، يؤدي واجبه وينحني أمام سادته. وأضاف: لكنْ في عيني بالرام أحلام خفية، و”النمر الأبيض” قصة إلغاء برمجة بالرام. إنه تقي يتوجه قلبه إلى الفقراء، مع أنه يعتبرهم رعاعاً، عليه أن ينسلخ عنهم ويتجاوزهم، ويرى أنه قادر على ذلك؛ لأنه “النمر الأبيض” الذي لا يظهر إلا مرة واحدة في كل جيل.

شر البليَّة

كتب الناقد ديفيد روني في موقع هوليود ريبورتر أن الفيلم يسلط الضوء على الهوة، التي تفصل بين طبقة الخدم والأثرياء في الهند المعاصرة، وعلى ضياع البراءة، وقلب الموائد، وأنه ينجح في جذب اهتمام المشاهد طيلة مدة عرضه.

وأشار إلى المفارقات المضحكة في تأطير القصة برسالة بالرام إلى رئيس الوزراء الصيني، واعتباره الصينيين “عشاق الحرية والحرية الفردية”، وقوله في الرسالة: “أعتقد أننا يمكن أن نتفق على أن الأمس كان لأميركا، وأن الغد للهند والصين”، وتأكيده أن “مستقبل العالم في أيدي الرجل الأصفر والرجل البني”، وعرضه قصة تخلصه من العبودية للمشاركة مجاناً، واعترافه بأنه مطلوب للشرطة “بسبب عمل ريادي”!

واستفز “النمر الأبيض” قلم شارلوت أوسوليفان، فكتبت في “إيفننج ستاندارد”: “دراما نتفليكس هذه مستفِزة. على الرغم من أنها غاضبة وذكية ومظلمة مثل الطفيلي، فإنها تستكشف أهوال النظام الطبقي لبلد ما (في هذه الحالة، نظام الطبقات في الهند)، بينما تضع الاضطهاد العنصري والفساد السياسي والاتجاهات الاقتصادية العالمية في مركز الصدارة”. وتشير الى إعلان الراوي بالرام أن البيض في طريقهم للخروج من قيادة المشهد العالمي، «لقد انتهى زمنهم.. والله ينقذ الجميع!”.

قالوا عن الفيلم 

• أراد ممثلون مشهورون كثيرون من الهند، ومن الشتات، أن يلعبوا دور “بالرام”، لكنني أردت شخصاً لا يكون نجماً أو من خلفية ثرية. وكان أدارش عظيماً. المخرج رامين بحراني.

• أدرك “بالرام” أنه وُلد في الظلام، وأن “أشوك” وُلد في النور. وكان دائماً يتطلّع إلى أن يكون مثله، وعندما فشل في ذلك اندفع الى زاوية مظلمة. الممثل أدارش غوراف.

• روايتي “النمر الأبيض” كانت نتاج “الهند الجديدة” الجريئة المتجاوزة بقدر ما كانت نتاج نقد لها… الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن حرية التعبير مهددة… هناك شيء رثائي في الرواية. الروائي آرفيند أديجا.

• أتطلع إلى تقديم عدد أكبر من قصص جنوب آسيا إلى الجمهور العالمي.. إننا لا نقدّم ما يكفي منها.. نحن خُمس سكان العالم.. فهل نرى خُمس أفلام العالم من جنوب آسيا؟ النجمة بريانكا شوبرا.

• لقد تم تحويل قصة “النمر الأبيض”.. وهي رواية قاسية وحشية عن التقدّم بأي وسيلة، في الهند الحديثة إلى فيلم رائع، غاضب، دقيق، وترفيهي. كانبرا تايمز.

• التعطُّش للنفوذ يتجلّى في طموح بالرام الملتوي.. يبدو أن الفيلم يشير إلى أن نجاح الهند الجديدة سيكون باهظ الثمن.

South China Morning Post

المستقبل للهند والصين

من الموقع “الريادي” الذي وصل إليه، بالقتل والسرقة والرشوة، علم “بالرام” أن رئيس مجلس الدولة الصيني سيزور الهند للقاء مجموعة من رواد الأعمال، فرأى أن عليه أن يحضر ذلك اللقاء. وقبل الزيارة، كتب إلى الزعيم الصيني رسالة إلكترونية، تتضمن نبذة عن المجتمع الهندي، الذي يحب التقوى ويتّسم بالنفاق، مؤكداً أن الأمس كان لأميركا، وأن الغد للهند والصين، فمستقبل العالم بيدي الرجل الأصفر والرجل البني.. مقدماً قصة صعوده السلم الاجتماعي مجاناً، مقرّاً بأنه مطلوب للشرطة.. بسبب عمل “ريادي!”.

معلومات عن الفيلم

– قصة: آرفيند أديجا.

– سيناريو وإخراج: رامين بحراني.

– بطولة: أدارش غوراف، راجكومار راو، بريانكا شوبرا جوناس.

– توزيع: نتفليكس.

– مدة العرض: 125 دقيقة.

– البلد: الولايات المتحدة الأميركية والهند.

التقييم

– روتن توماتوز: 89%

– ميتاكريتيك: 75%

– الغارديان: 4 نجوم من 5

– آي إم دي بي: 6.8 من 10

قد تقرأ أيضا